القرطبي

190

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

تعالى : " والذين يرمون المحصنات " الآية . فأخبر أن من قذف محصنا ولم يأت بأربعة شهداء حد ، فظاهره يقتضى أن يأتي بأربعة شهداء سوى الرامي ، والزوج رام لزوجته فخرج عن أن يكون أحد الشهود ، والله أعلم . السادسة عشرة - إذا ظهر بامرأته حمل فترك أن ينفيه لم يكن له نفيه بعد سكوته . وقال شريح ومجاهد : له أن ينفيه أبدا . وهذا خطأ ، لان سكوته بعد العلم به رضى به ، كما لو أقر به ثم ينفيه فإنه لا يقبل منه ، والله أعلم . السابعة عشرة - فإن أخر ذلك إلى أن وضعت وقال : رجوت أن يكون ريحا ينفش أو تسقطه فأستريح من القذف ، فهل لنفيه بعد وضعه مدة ما فإذا تجاوزها لم يكن له ذلك ، فقد اختلف في ذلك ، فنحن نقول : إذا لم يكن له عذر في سكوته حتى مضت ثلاثة أيام فهو راض به ليس له نفيه ، وبهذا قال الشافعي . وقال أيضا : متى أمكنه نفيه على ما جرت به العادة من تمكنه من الحاكم فلم يفعل لم يكن له نفيه من بعد ذلك . وقال أبو حنيفة : لا أعتبر مدة . وقال أبو يوسف ومحمد : يعتبر فيه أربعون يوما ، مدة النفاس . قال ابن القصار : والدليل لقولنا هو أن نفى ولده محرم عليه ، واستلحاق ولد ليس منه محرم عليه ، فلا بد أن يوسع عليه لكي ينظر فيه ويفكر ، هل يجوز له نفيه أولا . وإنما جعلنا الحد ثلاثة لأنه أول حد الكثرة وآخر حد القلة ، وقد جعلت ثلاثة أيام يختبر بها حال المصراة ( 1 ) ، فكذلك ينبغي أن يكون هنا . وأما أبو يوسف ومحمد فليس اعتبارهم بأولى من اعتبار مدة الولادة والرضاع ، إذ لا شاهد لهم في الشريعة ، وقد ذكرنا نحن شاهدا في الشريعة من مدة المصراة . الثامنة عشرة - قال ابن القصار إذا قالت امرأة لزوجها أو لأجنبي يا زانية - بالهاء - وكذلك الأجنبي لأجنبي ، فلست أعرف فيه نصا لأصحابنا ، ولكنه عندي يكون قذفا وعلى قائله الحد ، وقد زاد حرفا ، وبه قال الشافعي ومحمد بن الحسن . وقال أبو حنيفة وأبو يوسف :

--> ( 1 ) المصراة : الناقة أو البقرة أو الشاة تصر أخلافها ولا تحلب أياما حتى يجتمع اللبن في ضرعها ، فإذا حلبها المشترى استغزرها . ومنه الحديث : ( من اشترى مصراة فهو بخير النظرين ) أي خير الامرين له ، إما إمساك المبيع أو رده .